( سر دموع الوتر )
حتى هذه الساعةِ المبكرةِ من الفجر,والزغاريدُ الشبقةُ لا تزعُ عن اغتصابِ كآبة سماء المدينة علناً فوق منضدةِ انتصارٍ آخرَ كبيرٍ هذه المرة,وأمي تقابلها على الأرضِ تفعلُ فعلها السّحري وتشقُ جروح الشوارع الهرمة لتضع في طياتها المتعفنة مسحةًً من بلسمٍ مبتكر باركولي بنتي العروس رفعت راسي يا فلسطين..
فرصةٌ هي الثالثة هذا الشهر للشوارعِ الحزينة لتمارسَ غطرستها وتقهقهَ عالياً دون يدٍ تلجمها, مادةً أَلْسُنَها السوداء المثقّبة لتثيرَ حفيظةَ غيظِ قومٍ نالوا من سعادتِها الكثير ولازالوا…
و كنثرةِ السمسمِ حولَ رغيفِ خبازٍ حار,ثمةََ أشلاءٌ مغروزةٌ في رأسِ كل سهمٍ من أسهمِ الاتجاهاتِ حول نقطةِ التفتيش الأخيرة في غزة,وكأن بركاناً نائماً أفاق تواً على قرعِ أحذية الصهاينة المتناثرة منعاً للتجولِ مُعرباً عن غضبِة من تحتِ لحافِ الأرض الازفلتية ليحرقَ ,ويشوهَ,و يُشظي دون رحمة..
بعثرةٌ في بعثرةٍ,بقايا لأكثرِ من مائةِ جسدٍ خمجٍ لا يُعلم فيها طهارة ً إلا لجسدينِ اثنينِ بلا ثالثٍ
سلمى وخالد …
ملامحُ الذعرِ والاستهجانُ مزهريات الأمكنة من حولي تواسيها لعناتٌ طليقةٌ هاربةٌ من معاقلِ شفاه العِبْرِيين ,وجوهٌ ترهقُها قترةتبحثُ بكشافاتِ الحذرِ عن الفاعلِ (بكل غباء) خلفَ ظهرِ الأشجار,وتحتَ مُقتعد الأحجارِِ الواجمة,وفي العرباتِ العرجاء,وجيوب المارين المرقعة ..
عويلُ نسوةٍ كاسياتٍ عارياتٍ يقفنَ بحذائِي عاجزاتٍ عن استيعابِ قوةِ هذه اللكمة العربية الشرسة .. مثلي ….!
وهناكَ…على كفِ الرصيفِ المبتسم مزقةًٌ كبيرةٌ من فستانٍ أبيضَ أعرفه,مطرزةً باحتراقاتٍ سوداء كتلك الشرائط على وجوهِ عمال مناجم الفحم,و خُريزاتِ شهادةٍ ودمَ أختي التي أبتْ إلا أن تكونَ ذاتها الرضيعةُ الفذة التي أقبلتْ على الوجودِ قبل اثنين وعشرين عاماً تحملُ في يمينها الصغير حصوةً كمعجزةٍ إلهيةٍ خلقتْ تجاعيدَ الدهشةِ في جبينِ العالمِ كله,,,,,,وفي مكانٍ ليس ببعيد…بقايا ساقِ وردةٍ حمراءَ كانت بين يدي خُصلِ شعرها تحتضرْ , وحزامٌ بلاستيكيٌ أسود مقرفصٌ قرفصته النيران لرجلٍ جعل بناءَه بحوريتِه حلمـًا مؤجلاً لحينِ التقاءٍ أدومَ على أسِرّةِ الفردوسِ تحتَ عرشِ الرضا…
أرواحٌ وأجسادٌ متآزرة حتى أشياؤُها وتفاصيلها الصغيرةِ متآزرةٌ لآخرِ اللحظات…
وأنا بين كل ذلك أسحبُ من رأسي كلاليبَ ذهولي وألقيها خوفاً من أنْ تجتثَ باقي تصديقي,وأعودُ للوراءِ أفتش عن أسئلةٍ ضالةٍ كانتْ تلحُ يوماً على تسولِ إجابةٍ واحدةٍ على الأقل تسد جوعها وتكفّها شرَّ السؤال…
رباه…!!
كيف لم ألحظْ أنها كانتْ تجهزُ روحها لمراسمِ قرانٍ مختلف ، وأنا اللماحةُ التي لا يفوتني أمرُ شاردةٍ ولا واردة !؟
بلْ كيفَ لم يشِ إليّ حدسي بسرِّها وأنا التي أفهمها ، و ربيتها مذ أنْ كانتْ برعماً يتسلق النور في حديقةِ عمري , وحِكتُ لها أجمل ( الأقمطة ) من أهدابِ غزةَ الطويلة، وأطعمتُها بالدعابةِ أرغفةً متيممة بالزعترِ أحرقتْ أناملي حرارتُها حتى تركتُ شعرها بلا تجديلٍ يسافرُ أياماً لمصافحةِ الشمسُ ويقبلُ يدَ القمر…؟!
تباً لرائحة الدم هذه التي ألفناها ما أعبثها..!
دائماً ما تزيدُ من اشتعالاتِ أسئلتي , و تتسربُ كأبخرةِ الكحولاتِ إلي صندوقِ جمجمتِي لتركلَ بملءِ قوتِها ذاكرةَ ليلةِ الحناء.. فتفيقُ ليعبرني الشّريطُ ببطءٍ مشهداً سينمائياً وأنا أسألها عن القلقِ المتواترِ الذي يطفو على وجهِها بثوراً ويحلقُ حولَ عينيها سِرباً من الغربان , فتجيبُ بعد أن تطردَ من كفيها عوالقَ الحناء الجافة كشفاهِها:
-إنها صروفُ الخوفِ من القادمِ يا رجاء ,ثمةَ مجهولٌ يفتحُ أمامي نفقاً طويلاً جداً , قسراً سأعبره وحدي هذه المرة , ولا أعرفُ كيف ستكونُ الحياة على طرفهِ الآخر بعيداً عن ضفافكم..؟!
دونَ وجهِ أمي الكوكبُ الدُريّ الذي يسبقُ همسَ الشّمسِ ليطلَ عليَّ كل استفاقةِ فجر!
دونَ المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ